خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، امير دولة قطر في الدورة 68 لاجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة

سعادة الأمين العام للأمم المتحدة،
السيدات والسادة،

أود في البداية تهنئة سعادة السيد جون آش لانتخابه رئيسا للدورة الثامنة والستين للجمعية العامة متمنيا له النجاح والتوفيق في مهمته.

كما أود أن أُعرب عن تقديرنا لسعادة السيد فوك يريـميتش، رئيس الدورة السابعة والستين لما بذله من جهد في سبيل إنجاحها.

ولا يفوتني أن أُشيد بالجهود التي يبذلها سعادة الأمين العام السيد بان كي مون لتعزيز دور الأمم المتحدة.

السيد الرئيس،

يواجه المجتمع الدولي العديد من الإشكالات المتعلقة بالسلم والأمن والتحديات أمام الجهد المبذول لحل النزاعات بالطرق السلمية، مما يدعو إلى تعزيز قدرة الأمم المتحدة على مواجهة تلك التحديات والاشكالات.

وتتطلّعُ شعوبٌ في مناطق عديدة إلى أن تعكف مؤسسات المجتمع الدولي على طرح حلول لقضايا الفقر والجوع والتنمية المستدامة بما يتجاوز المؤتمرات والقرارات، ويتجاوز حتى الاهتمام ذا الطابع التضامني الضروري، وحملات النجدة التي يُدعَى إليها من حين لآخر، على أهميتها.

السيد الرئيس،

 تزخر المنطقة العربية بالأحداث والتحولات المتسارعة ذات الطابع التاريخي في أهميته، إذ شهدت المنطقة مؤخراَ أحداثاً عاصفة ناجمة عن تحرك الشعوب واقتحامها المجال السياسي العام.

وبقي الجمود من نصيب الصراع العربي الإسرائيلي الذي يأتي في مقدمة القضايا التي تهدد السلم والأمن الدوليين، وذلك في ظل استمرار الاحتلال، والغبن الواقع على الشعب الفلسطيني، والعجز عن التوصل إلى سلام دائم وعادل يستند إلى قرارات الشرعية الدولية.

إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والعربية عموماً، والممارسات المترتبة على ذلك، وتغيير الواقع السكاني والعمراني فيها، ولا سيما عبر توسيع الاستيطان وتهويد مدينة القدس، والحصار الخانق والجائر لقطاع غزة، وتكثيف الاستيطان في هضبة الجولان السورية المحتلة وتغيير طبيعتها السكانية؛ كلها أمور لا يمكن أن تصبح طبيعية. وذلك ليس فقط لأنها تشكّل خرقًا صارخًا للقوانين والمواثيق الدولية، بل أيضاً لأن قضية الشعب الفلسطيني قضية عادلة، ولا بد من رفع الظلم التاريخي الواقع عليه.

لقد قامت هيئات المجتمع الدولي على أساس حق تقرير المصير بعد الحروب العالمية، ومن غير المعقول أن لا تتمكن من فعل شيء إزاء آخر القضايا الاستعمارية في عالمنا.

على إسرائيل أن تعلم أن القهر وسياسة الأمر الواقع لا تصنع أمناً، ومن الخطأ أن تُقيم دولةٌ مفهومَها للأمن على أساس إخضاع الشعوب الأخرى ومصادرة حقوقها، وأن تمنحه أولوية على السلام، فلا أمن بدون سلام، والأمن الحقيقي هو العيش المشترك بين الشعوب على أساس الجيرة الحسنة والاحترام المتبادل، وأخذ مصالح الجميع بعين الاعتبار.

والسلام المنشود هو السلام المبني على الكرامة والعدل استناداً إلى مبادئ الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية في ظل مبدأ حل الدولتين وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة، فتجارب الأمم وتاريخ الشعوب تؤكّد أن التسويات غير العادلة لم تدم، بل كانت مقدمة لصراع جديد. واستمرار سياسة الأمر الواقع في فلسطين، لا يجعل المشكلة تختفي، فهي تتحوّل أمام أعيننا إلى قضيةٍ أكثر تعقيدًا؛ فمع مواصلة الاستيطان يستمر تقويض أسس قيام دولة فلسطينية، ويتحوّل الوضع القائم إلى وضع شبيه بنظام الفصل العنصري في ظل هيمنة دولة واحدة، أو حتى في داخلها، وهذا أساس لصراع جديد، إذ لن يسكت شعب على الظلم.

ليست الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس على حدود عام 1967، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين مطلباً عربياً فقط بل معياراً عالمياً لفحص مصداقية الشرعية الدولية التي يتعين ألا تتجزأ، ومثلما تمسك المجتمع الدولي بإعلاء كلمة الشرعية الدولية في مناطق وأزمات أخرى في العالم علينا أن نطبق مبادئ الشرعية ذاتها على القضايا كافة، لذا فإننا نطالب مجلس الأمن أن يضطلع بمسؤولياته في حفظ السلم والأمن الدوليين واتخاذ القرارات اللازمة لوقف السياسات الإسرائيلية غير المشروعة.

السيد الرئيس،

 تستمر أعمال التدمير والمجازر المروعة وسياسة الأرض المحروقة والمدن المدمرة التي يمارسها النظام السوري بحق الشعب السوري الشقيق، والتي تجاوزت جميع الخطوط الحمراء التي تفرضها الأخلاق، ويوجبها القانون ولا سيما بعد استخدام النظام السلاح الكيماوي ضد شعبه.

ومن المؤسف أن يظل مرتكبو هذه الجرائم والمجازر الوحشية التي اهتز لها الضمير الإنساني دون ردع أو مساءلة، مما يفقد آليات حقوق الإنسان والعدالة الدولية مصداقيتها أمام المجتمع الدولي.

ليس الموضوع ملكية سورية للأسلحة الكيميائية، فسورية دولة في صراع مع دولة أخرى تملك السلاح الكيماوي والبيولوجي وحتى النووي، بل الموضوع هو استخدام النظام لها، بل واستخدامها ضد شعبه.

لم يثر الشعب السوري بهدف وضع أسلحة سورية الكيميائية تحت الرقابة الدولية، بل من أجل التخلص من حكم الاستبداد والفساد، ولرفع الظلم عنه.

ندرك جميعاً أن المسؤولية عن الإخفاق في فرض الحل السياسي الذي نفضله جميعاً في سورية يعود أساساً إلى عجز مجلس الأمن عن اتخاذ القرار اللازم لوقف إراقة الدماء واستمرار تعنت النظام السوري ورفضه لكافة المبادرات الإقليمية والدولية.

ومن هذا المنطلق فإن عملية اتخاذ القرار في مجلس الأمن باتت بحاجة ماسة إلى التعديل لافتقارها إلى العدالة والموضوعية، كما أصبحت عائقاً أساسياً أمام حماية وحفظ السلم والأمن الدوليين، وأمام معاقبة مجرمي الحرب والمجرمين ضد الإنسانية.

لذا فإننا نؤكد على أهمية الإسراع في تحقيق إصلاح شامل وجوهري لمجلس الأمن حتى يكون أكثر قدرة على التعامل بإيجابية مع التحديات العالمية والاستجابة لطموحات الشعوب، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال التمثيل العادل للمجتمع الدولي داخل المجلس وأن يكون معبراً عن ديمقراطية العمل الدولي متعدد الأطراف، وليس ممكناً بالطبع اتخاذ قرار بدون أن تدعمه الدول الدائمة العضوية، ولكن لا يجوز احتكار القرار لفترة طويلة ومتواصلة من قبل دولة أو اثنتين.

كما أتوجه في هذه المناسبة لأشقائنا السوريين أن يوحدوا صفوفهم من أجل مرحلة انتقالية تهدف إلى إنشاء نظام حكم يضمن حرية وكرامة جميع السوريين من دون تمييز على أساس الجنس أو القومية أو الطائفة أو المذهب؛ فلم يسقط هذا العدد الهائل من الشهداء، ولم يقدّم هذا الشعب العظيم كل أنواع التضحيات من أجل استبدال استبدادٍ بفوضى، أو استبداد باستبداد.

السيد الرئيس،

تواجه ثورات الربيع العربي التي انتفضت فيها الشعوب العربية مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية صعوباتٍ تبدو وكأنها تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، والحقيقة أن هذه الصعوبات متوقّعة، ولكن الغريب هو أن بعض السياسيين لا يحسنون حتى تجنّب المشاكل المتوقعة.

وإن من يعلم حقيقة قضايا المنطقة العربية والسياق التاريخي يتبين له أن هذه الثورات تندرج في صيرورة تاريخية طويلة الأمد عرفتها العديد من الشعوب في أوروبا وأميركا وآسيا وأفريقيا؛ فطريق التحول نحو الحكم العادل وتلبية مطالب الشعوب في سائر دول العالم لم يكن أبداً طريقاً سهلاً ميسوراً، بل كان درباً مليئاً بالتضحيات ولم يكن السير فيه ممكناً دون التزوّد بالصبر والعزيمة، فقلما وقعت ثورات من دون أن تعقبها محاولات يائسة من قبل النظم القديمة لإفشالها. ومن هنا يفضّل كل عاقل أن يجري تغيير الأنظمة بالإصلاح المتدرج، ولكن ثمّة حالات نعرفها جيداً في منطقتنا وفي مناطق أخرى من العالم تنسد فيها بوجه الشعوب إمكانيات التغيير بواسطة الإصلاح.

وعلى أية حال، لا يجوز القفز إلى استنتاجات سريعة فيما يتعلق بمستقبل الثورات العربية، هذه صيرورة تاريخية طويلة، والواضح الأكيد هو أن الأمور في العالم العربي لن تعود إلى ما كانت عليه، وأن الشعوب العربية أصبحت أكثر وعيا لحقوقها، وأكثر انخراطا في المجال العام.

السيد الرئيس،

 حرصت دولة قطر دائماً أن تكون طرفاً إيجابياً فعالاً ذا دور بناء على المستوى الدولي عبر علاقاتها السياسية والاقتصادية المتوازنة والمتميزة على المستويين الثنائي ومتعدد الأطراف، وسنواصل تنمية هذا النهج لقيام دولة قطر بمسؤولياتها والتزاماتها على مختلف الصُعد وطنياً وإقليمياً ودولياً.

وتسعى قطر لأن تكون ساحة للحوار بين الأطراف المختلفة في النزاعات، لا أن تكون طرفا في هذه النزاعات. كما تسعى لأن تفتح منابر للحوار الثقافي والإعلامي بين الشعوب.

وفي هذا الإطار فإن مسيرة الإصلاح والحداثة التي خطتها قطر وجعلت منها دولة مؤسسات تتفاعل بإيجابية مع المجتمع الدولي لم يكن من اليسير تحقيقها دون حرص على اعتماد حكم القانون ومبادئ الحكم الرشيد ومكافحة الفساد وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتمكين المرأة من المشاركة في الحياة العامة على قدم المساواة مع الرجل، وتوفير بيئة صحية للطفل. كما أن الاهتمام بهموم الشباب وتهيئة البيئة العلمية المناسبة التي تُؤمّن الاستفادة القصوى من طاقاتهم كانت وستبقى من الأولويات في سياستنا الوطنية.

السيد الرئيس،

إن انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط وبخاصة الأسلحة النووية أمر يثير بالغ القلق.

وفي هذا السياق فإنني أؤكد على موقف دولة قطر الثابت بأحقية كافة دول المنطقة في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية وفقاً لمعايير وإجراءات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي هذا السياق أيضاً فإننا نتطلع إلى عقد مؤتمر هلسنكي لكونه خطوة ستساهم في الجهود المبذولة لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.

السيد الرئيس،

ما زال موضوع التغير المناخي على قمة اهتماماتنا، لما له من آثار معروفة على المنظومة الكونية بأسرها.

وأود هنا أن أؤكد التزام دولة قطر بمواصلة التعاون مع المجتمع الدولي في التصدي لهذا التحدي وتنفيذ الآليات التي تم الاتفاق عليها في المؤتمر الثامن عشر للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ الذي استضافته قطر في نهاية السنة الماضية بهدف رسم خارطة طريق لمواجهة الآثار البيئية والاقتصادية السلبية لهذه الظاهرة الخطيرة.

كما تجدر الإشارة إلى أن دولة قطر قد قطعت شوطاً في مبادرة التحالف العالمي للأراضي الجافة، التي أطلقتها بهدف تأسيس منظمة دولية لمواجهة النتائج المترتبة على هذه الظاهرة، وستتكامل هذه المنظمة المقترحة مع المنظمات الدولية ذات الصلة في مكافحة التصحر والجفاف والمحافظة على البيئة، ودون أن تتقاطع معها. ويسرني دعوتكم جميعاً لدعم هذه المبادرة وتأييدها.

السيد الرئيس،

تساهم دولة قطر كشريك فاعل في الجهود المبذولة لتحقيق التنمية المستدامة على المستوى الدولي حيث التزمت بتخصيص النسبة المقررة من إجمالي دخلها القومي كمساعدات للدول الأقل نمواً، فضلاً عن المساعدات الغوثية والإنسانية التي تقدمها الدولة في حالات الكوارث والطوارئ.

وفي هذا السياق حققت دولة قطر الغالبية العظمى من الأهداف الإنمائية للألفية، وهي تسير نحو تحقيق كافة تلك الأهداف قبل حلول عام 2015، وهذا ما تؤكده تقارير الأمم المتحدة والتقارير الإقليمية في هذا الشأن.

أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.