خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، امير دولة قطر في الدورة 69 لاجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة

بسم الله الرحمن الرحيم

سعادة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة،
سعادة الأمين العام للأمم المتحدة،
السيدات والسادة،

يسرني في البداية أن أتوجه بالتهنئة لسعادة السيد سام كوتيسا على انتخابه رئيساً للدورة التاسعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، متمنياً له التوفيق والنجاح في مهمته.

كما أود أن أشكر سعادة السيد جون آش على جهوده خلال رئاسته لأعمال الدورة السابقة.

وأشكر سعادة السيد بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، على الجهود التي يبذلها لتعزيز وتفعيل دور الأمم المتحدة.

يأتي انعقاد هذه الدورة في ظل ما تشهده الساحة الدولية من تطورات ومستجدات ترتبط بأمن وسلامة الإنسانية جمعاء، والتي تتطلّب قيام الأمم المتحدة بكافة أجهزتها بدورها في حفظ السلم والأمن الدوليين عبر تفعيل الآليات والوسائل التي يتيحها ميثاق الأمم المتحدة، وسَبر الوسائل الكافية للحيلولة دون وقوع النزاعات ومعالجة جذورها، والعمل من أجل تسويتها بالطرق السلمية.

إن السلام والأمن الدوليين في العالم لن يتحققا بدون الحوار المستند على مبدأ المساواة والالتزام بأحكام القانون الدولي وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية واحترام مبادئ حقوق الإنسان وحقوق الشعوب.

السادة الكرام،

مرت منطقة الشرق الأوسط بمرحلة بالغة الخطورة إبّان الحرب الأخيرة على إخواننا الفلسطينيين، ولا توجد ضمانات أن لا تمر بمثلها مرة أخرى. فما زالت إسرائيل ماضية في سياستها الاحتلالية وتحديها للإرادة الدولية عبر المصادرات الأخيرة للأرض في الضفة الغربية ومواصلة بناء المستوطنات التي تكرّس الاحتلال.

لقد هز الضميرَ الإنسانيَ الحي ما شاهده العالم من صور مأساوية ووقائع غير مسبوقة أثناء العدوان على غزة واستهدافه للمدنيين: أطفال رضع قتلوا وهم في أحضان أمهاتهم وشُرِّد ما يقارب نصف مليون فلسطيني، ودمار شامل لقطاع غزة قبل أن ننتهي من إعمار ما هدمه العدوان السابق. إن تعريف ما ارتكبه هذا العدوان وفقاً لأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني هو جرائم ضد الإنسانية.

إن غطرسة القوة لن تقهر مقاومة الشعب الفلسطيني، وإنني أُحيي صمود مقاومة الشعب الفلسطيني في غزة في مواجهة الاحتلال والإصرارعلى استعادة كافة حقوقه المشروعة وأحتسب عند الله أرواح شهدائه.

على إسرائيل أن تعي أن أمن شعبها لن يتحقق إلا بالسلام، وأن الاحتلال مصيره إلى الزوال.

إن ما خلفه العدوان الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة على مدى الأعوام الماضية والحصار الجائر المفروض عليه وما سببه من تدمير للبنية الأساسية للقطاع يحتم على المجتمع الدولي إلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية والوفاء بالتزاماتها والإسراع في إزالة العراقيل التي وضعتها لرفع الحصار وتحقيق عملية الإعمار، ولن تألو دولة قطر جهداً في تقديم المساعدة لإعادة إعمار القطاع، ونحث كافة دول العالم على ذلك.

السيد الرئيس،

إن استجابة المجتمع الدولي لتطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال الوطني أمر لازم لتأكيد عدالة الشرعية الدولية، لا سيما وأن القضية الفلسطينية هي آخر قضية استعمارية باقية. وفي هذا الإطار فإن الحلول المؤقتة أو التسويات الجزئية باتت غير مجدية وغير مقبولة. والتعنت الإسرائيلي يفرض علينا الرجوع إلى الأمم المتحدة في إطار يتسع للجميع، وأن يتحمل مجلس الأمن مسؤوليته القانونية والأخلاقية بأن يُعلي الشرعية الدولية وحقوق الإنسان ويبتعد عن أسلوب الانتقائية الــذي تميـزت به معـالجـة هـذه القضيـة طيلة الفترة الماضيـة، وأن يُصدر قراراً تحت الفصل السابع من الميثاق بإلزام إسرائيل بإنهاء احتلال عام 1967 وتنفيذ حل الدولتين الذي توافق عليه المجتمع الدولي وفقاً لخطة سياسية واضحة ومحدودة زمنياً، وفي إطار مفاوضات سلام تؤدي إلى تسوية دائمة للقضية الفلسطينية وفقاً لحل الدولتين ومبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. من واجب العالم أن يقنع الفلسطينيين أن من قتل أطفالهم في غزة لن يُستقبلَ في الصالونات الدبلوماسية كأنه قام بعمل حضاري لأنه قصفهم من الجو دون أن يلطخ يديه.

السيد الرئيس،

تمثل مأساة الشعب السوري التي دخلت عامها الرابع أحد التحديات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وتزداد هذه الكارثة الإنسانية تفاقماً وخطورة في غياب رؤى واضحة لحل هذه الأزمة مع استمرار أعمال القتل والدمار وانتهاكات الحقوق والمعاناة الإنسانية الكبيرة وتشريد وتهجير ما يقارب نصف الشعب السوري، وهو الأمر الذي يحتم على المجتمع الدولي العمل الجاد لوضع حد لإراقة الدماء وعملية تدمير سورية بشكل منهجي من نظامٍ خيّر شعبه بين قبوله أو حرق بلده.

وقد سبق أن حذّرنا أن مواصلة النظام للإرهاب وسياسة الإبادة والتهجير وعدم توفير الدعم للثورة السورية حين كانت ثورة مدنية تطالب بالحرية والكرامة، سوف تدفع الكثير من السوريين إلى الدفاع عن النفس. كما حذرنا المجتمع الدولي منذ البداية أنه إذا لم يفعل شيئا تجاه ما يجري في سوريا فسوف نصل إلى ما وصلنا إليه. وحين دافع الشعب السوري عن نفسه بالسلاح طالبنا بدعمه قبل أن يهدم النظام البلد وتنشأ المنظمات المتطرفة. لم توضع أية خطوط حمر ليقف عندها النظام السوري، ولم يلتفت العالم حتى إلى قتل أطفال سورية ونسائها بالسلاح الكيماوي، وإلى قصف أحيائها المأهولة بالبراميل المتفجرة وفي النهاية أصبح الشعب السوري يعيش بين فكي كماشة إرهاب النظام، وإرهاب القوى المتطرفة التي نمت في مستنقع العنف.

وتبقى حرب الإبادة والتهجير المقصود التي يشنها نظام على شعبه هي الجريمة الكبرى.

وأمام هذا الواقع المرير، على المجتمع الدولي تقديم كافة أوجه المساعدات الإنسانية للشعب السوري داخل سوريا وفي أماكن اللجوء، ونكرر دعوة مجلس الأمن أن يتحمل مسؤوليته القانونية والإنسانية على وجه السرعة ويدعم الشعب السوري ضد الخطريْن المحدقين به، خطر إرهاب النظام وجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها وخطر القوى الإرهابية التي استغلت حالة البؤس والمرارة وغياب الدولة وغياب المجتمع الدولي. وقد ساهم الأول في توليد الثاني.

السيد الرئيس،

تعاني العديد من مناطق العالم من ظاهرة الإرهاب تحت ذرائع وشعارات مختلفة تهدد أمن العالم واستقراره وتعرقل تحقيق التنمية المنشودة. ولا توجد حضارة لم تعرف الإرهاب في العصر الحديث.

ولا شك أن المجتمعات الأكثر تضررا هي المجتمعات التي نبتت فيها هذه النبتة الضارة التي تعادي التنوع والتعددية التي تغني المجتمعات. وفي حالة المجتمعات العربية والإسلامية المتضررة منه، يمس الإرهاب بالأبرياء، ويفقر مجتمعاتنا إذ يحاول أن يحرمها من التنوع الديني والإنساني، ويطمس المطالب الحقيقية العادلة للشعوب، كما أنه يسيء للدين بتفسيرات تكفيرية سطحية له.

لذا علينا جميعا مضاعفة الجهود لمحاربة هذه الظاهرة أيا كان شكلها أو هدفها أو مصدرها.

وقد ثبت بالدليل القاطع أنه لا يمكن مكافحة الإرهاب إلا من خلال بيئته الاجتماعية، وأنه لكي تقف المجتمعات معنا في مكافحة الإرهاب يجب أن ننصفها، وأن لا نخيرها بين الإرهاب والاستبداد، أو بين الإرهاب والتمييز الطائفي.

لا يمكن أن تنجح الحرب على الإرهاب إلا إذا اقتنعت الشعوب أنها حربها وليست حربا من أجل تثبيت نظام يقمعها.

لقد عانى الشعب السوري من الاستبداد والإرهاب، ولم يستمع المجتمع الدولي لصرخات استغاثته وكان الشعب العراقي نفسه أول ضحايا الإرهاب في العراق.

ولكنه الشعب الذي قاتل الإرهاب وانتصر عليه، وجد نفسه عرضة للتهميش والتنكيل من قبل ميلشيات إرهابية طائفية. ومن هنا لا بد من إقنـاع الشعـب العـراقـي بأنه لن يـدفـع الثمن ألـف مـرة، وأنه حين يدافع عن وطنه إنما يدافع عن حقوقه وكرامته وحريته التي يجب أن تُكْفَل.

وهذا ما يجب أن تقتنع به غالبية الشعب السوري التي أغرقها النظـام السوري بالدماء لتجرّئها على المطـالبة بالحرية والكرامة.

وفي هذا الإطار يتعين على المجتمع الدولي الوقوف بحزم بجانب العراق الشقيق لمواجهة الإرهاب للخروج من محنته، والحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه وتنوع طوائفه، ولن يتحقق ذلك إلا عبر نزع فتيل الصراع المذهبي وتحقيق المصالحة العراقية التي تؤسس لعلاقات تزول فيها النزاعات المذهبية والطائفية والعرقية ومشاركة كل القوى السياسية دون إقصاء لأي طرف. وفي هذا الإطار أيضاً يجب دعم ليبيا الشقيقة حتى تجتاز المحنة التي تتعرض لها، عبر السعي الجاد من المجتمع الدولي لاحترام إرادة الشعب الليبي وتلبية تطلعاته المشروعة في الأمن والاستقرار من خلال تحقيق مُصالحة تشمل كافة الأطياف الليبية.

وأنا من هذا المنبر أدعو القوى السياسية الليبية كافة إلى اتباع طريق الحوار الوطني للتوصل إلى صيغة النظام الذي يلبي طموحات الشعب الليبي الذي قدم الكثير من أجل حريته.

وفي هذه المناسبة لا يفوتني أن أشير إلى التجربة التونسية الوليدة والتي تبشر بالخير بفضل وعي ووحدة التونسيين وإصرارهم على إنجاح التجربة، على الرغم من محاولات لا تتوقف للتآمر عليها من قبل قوى لا تريد لأية تجربة تعددية في المنطقة أن تنجح. ولقد شهدنا تجربة ناجحة أخرى لانتقال السلطة سلميا في اليمن، واستبشرنا خيراً بنتائج الحوار الوطني المشرفة برعاية الأمم المتحدة، وبقرار مجلس الأمن الذي يؤكد الالتزام بها وإدانة من يعرقل تنفيذها.

ولكن كما يبدو ثمة قوى التقت في محاولة لإفشال التجربة، فمنها من يعارض أي تغيير أصلاً، ويفضل لو عادت عجلة التاريخ إلى الوراء، ومنها من يقدّم الصراع الطائفي والمذهبي والمصالح الفئوية على العدالة والإنصاف والحكم الرشيد لمجمل اليمن. لقد أثبتت التجربة أن استخدام العنف والعمل السياسي من منطلق فئوي طائفي أو مذهبي أو غيره لا يؤدي إلى التغيير نحو نظام حكم أفضل، بل يشكل خطراً على الكيان السياسي نفسه.

ونحن ندعو الأشقاء اليمنيين للحفاظ على إنجازات الشباب اليمني، وعلى منجزات الحوار الوطني بالحكمة التي امتازوا بها، وأن لا يفرّطوا بما أنجزوه، وأن لا يسمحوا لأحد أن يجرهم إلى طريق العنف الفئوي. كما ندعو الأمم المتحدة إلى العمل على تطبيق قراراتها بشأن منجزات الحوار الوطني، بما في ذلك إعادة بناء الجيش ليكون قادرا على الدفاع عن المؤسسات الشرعية، ووقف ظاهرة المليشيات المسلحة في اليمن، فمن الواضح أنها تقود إلى الاحتراب الأهلي وإفشال عملية الانتقال السلمي.

السيد الرئيس،

لا تزال دول عديدة في العالم تعاني من الفقر وتواجه صعوبات خطيرة في النهوض بمعدلات التنمية المنشودة.

وفي هذا الصدد فإن الأهداف الجديدة للتنمية المستدامة لما بعد 2015 تشكل رؤية مشتركة بشأن الأجيال القادمة.

وأود أن أؤكد هنا، أن دولة قطر سوف تواصل جهودها لبناء شراكة مع الأمم المتحدة، لاعتماد خطة التنمية لما بعد 2015 لتلبية طموحات شعوب كافة الدول والتكتلات الإقليمية.

كما أشير هنا إلى أن دولة قطر حققت خطوات متقدمة في برامجها التنموية الوطنية وتعزيز شراكاتها الإقليمية والعالمية في هذا الشأن وهذا ما أكده مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2014 باحتلال دولة قطر المرتبة الحادية والثلاثين عالمياً، كما نواصل اليوم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية الشاملة للتنمية البشرية استناداً لرؤية قطر 2030 الهادفة لتحقيق التنمية في شتى المجالات.

السيد الرئيس،
السيدات والسادة،

سوف تواصل قطر مبادراتها في دعم الدول النامية، وفي تقديم المعونات في مناطق الكوارث، وقد قدمنا خلال السنوات الخمس الأخيرة مساعدات إنسانية حكومية بلغت قيمتها حوالي مليارين ومائتي مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى مساعدات غير حكومية بلغت حوالي ثلاثمائة وتسعين مليون دولار.

كما سوف تواصل سياستها الفاعلة في توفير فضاء للحوار في مناطق الصراع وفي التوسط بين الأطراف المختلفة لأننا نؤمن بحل النزاعات بالطرق السلمية، ولأننا أرسينا تقاليد في الوساطة السلمية. وسوف نواصل توفير منبر لحوار التيارات السياسية والثقافات والديانات.

وختاماً، أجدد التزام دولة قطر بالعمل مع الأمم المتحدة، لمواجهة التحديات المشتركة، وتحقيق الأهداف التي ننشدها.

أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.